الاثنين، 3 مايو 2021

السيلفي ثورة اجتماعية وثقافية (ج1) بقلم أسام يتوب

السيلفي ثورة اجتماعية وثقافية

 أفكار على هامش كتاب أنا أويسيلفي إذ أنا موجود لإليزا غودار.

-        بقلم أسامة يتوب

       إن المجتمع الإنساني خاضع لحتمية التغيير، لقانون التطور، تفرض عليه تحولات جذرية في كل بنياته، ومؤسساته، والعلاقات التي تربط بينها؛ بدءا بعلاقة الفرد بالأسرة، بالمدرسة، بالمؤسسات الدينة، وكذلك السياسية... كما لا ننسى علاقة الفرد بالآخر أو بشكل أدق علاقة الأنا بالآخر. ولعل هذه الأخيرة هي محور التحولات التي يعرفها المجتمع، و بإمكاننا أن نقول أن المجتمع يشهد ثورة اجتماعية وثقافية، غيرت فلسفة الإنسان ونظرته للحياة، بل الأكثر من ذلك غيرت نظرته لذاته لهويته كإنسان، هوية استعصى عليها النضج، تنفلت من آليات الضبط، وتأبى الخضوع.


1_ مراهقة الإنسان ومراهقة المجتمع

      كثيرا ما ماثل السوسيولوجيون المجتمع في بناءه وحياته، بجسد الإنسان، بكونه يخصع لنفس مراحل التطور التي يخصع لها الإنسان في حياته، التي تبدأ بالولادة ثم الطفولة مرورا بالمراهقة فالنصج والكهولة، وبناء على هذه المماثلة ترى الباحثة اليزا غودار أن المرحلة التي يمر منها المجتمع الإنساني، حاليا، هي مرحلة المراهقة وهي مرحلة من مراحل النمو النفسي، إنها مرحلة الانتقال من الطفولة إلى سن الرشد، مرحلة تعرف تحولات تلحق الجسد والنفس، مرحلة يطرح فيها المراهق تساؤلات عدة حول الثقافة السائدة حول الجنس والدين والسياسة، والعادات والتقاليد... في هذه المرحلة ينتاب الشاب المراهق قلق هوياتي وتتولد عنده "أزمة هوياتية" يشكك في كل شيء، يصبح ضد الثقافة السائدة في محيطه، يبحث عن أشياء مختلفة تأكد كينونته ، إنه يبحث عن حياة أخرى تعترف به كذات، بعبارة أخرى يبحث عن تحقيق ذاته والاعتراف بها.

       بين مرحلة المراهقة والمرحلة التي يعيشها المجتمع الإنساني العديد من النقط المشتركة، بفعل التطورات التقنية وظهور العالم الافتراضي والسيلفي والتطبيقات المتعددة... دخل المجتمع مرحلة انتقالية، جعلت منه يسعى إلى اكتشاف ذاته الحقيقية، هذه التحولات جعلتنا أمام مجتمع ينتابه قلق هوياتي، أي أنه كالمراهق يعيش أزمة هوية.

      إن الأزمة التي يعيشها المجتمع الإنساني ستنعكس على أفراده، اللذين يبحتون لأنفسهم عن هوية، في ظل تطور تقني أعاد طرح مجموعة من الأسئلة الفلسفية، بشكل مباشر أو غير مباشر...

        فماذا يعني أن يلتقط الإنسان صورة لنفسه؟ أليست تلك الصورة إجابة عن سؤال: من أنا؟ أليس السلفي تجديد للمقولة اليونانية اعرف نفسك بنفسك؟

        "هذا الفعل الجديد يشهد على الرغبة في اختراق أسرار «أنا» أصبحت غامضة، وغير قابلة للإمساك، لأنها عرضة لتحول جدري، إنها لا تتوقف عن التحول كلما حاولنا الإمساك بها" ص 111 ؛ إليزا غودار، أنا أيسلفي إدن أنا موجود.

       ولأنها أنا متحولة متغيرة زئبقية، بل مفروض عليها أن تكون كذلك، لأن الآخرين يراقبون «أناتنا» ويفرضون عليها عدم الثبات والاستقرار... يجب أن تكون «أنا» متعددة، لهذا فإننا لا نجرؤ على التقاط صور مختلفة في نفس المكان وفي زمن مختلف وبنفس الملابس التي التقطنا بها الصورة السابقة..

       إن الأنا مع التقنية أصبحت متعددة لا تتوقف عن التغير والتحول والتمحور... لهذا يتطلب منا محاولة الإمساك بها التقاط العديد من صور السيلفي... ورغم إحساسنا بأنها «أنا» واحدة فإنها تمثل أمامنا بإعتبارها فسيفساء بألوان متعددة.

2— الشاشة بين الأنا والآخر

      في لقاءاتنا المباشرة يمتزج الفضاء والزمن في قالب تواصلي يجعل من هذا التمازج مؤثرا على مواقفنا وسيكولوجتنا، لأن الآخر يمثل أمامنا بشكل مادي ومعنوي، في هذه اللقاءات نتبادل أحاسيسنا، نعبر عن مشاعرنا، بالحركات، بالإيماءات، بتعابير الوجه والعينين ... يحضر فيها التواصل الجسدي. عكس اللقاءات الإفتراضية، فعبر الشاشة يفقد الإنسان (الأنا والآخرج) ذاتة، لأنه يتفاعل مع وجه مقلوب، معكوس على الشاشة، وجه يصعب الإمساك والإحساس به. سواء في حالة الفيديو أو الدردشة فإننا نتفاعل مع الآخر الإفتراضي، في هذه اللقاءات تغيب الأحاسيس والمشاعر، وإن كانت غزيرة متدفقة لكن لا تشبع حاجة الإنسان، إنها جامدة باردة، لا مرئية ولا محسوسة.

    إن هذا التواصل والارتباط بالشاشة، يحول الأنا والآخر إلى شيء، إنه يشيء الذات الإنسانية، في هذا التواصل بين الأنا و الآخر تنتصب الشاشة جدارا منيعا يصد الأحاسيس والمشاعر، وتمنع الإنسان من التعبير بعفويته، إنها تعلن موت العفوية، وترسخ التصنع والتكلف.

       أصبحت الشاشة طرف ثالث حاضر بقوة، بل أكثر من ذلك تشجع الشاشة على قتل الذات والآخر، أو على الأقل نفيهما معا. فعندما يتخذ الحوار منحى غير مرغوب فيه، بكل بساطة يمكن لأحد المتحاورين غلق شاشة حاسوبة أو هاتفة الذكي، إنه قتل للأنا وللآخر في نفس الوقت.

3—أزمة الإعتراف: أن تكون معناه أن ترى

   الإعتراف أو الرغبة بل الحاجة للإعتراف هو ما نلمسه في صراخ الأطفال والآباء و الأمهات في وسط العائلة في العمل في السوق... في كل مكان نحتاج للإعتراف، كذلك حتى في مواقع التواصل الاجتماعي نبحث عن الإعتراف.

فما الإعتراف؟ والإعتراف بماذا؟

   الإعتراف هو اثبات الوجود في تجربة الآخر، أو اعتراف الآخر بالأنا، ويكون عبر الفعل الذي يصدر عنه تجاه الأنا، ويشترط الاعتراف أن يكون متبادلا، فحاجتنا لاعتراف الآخر بحبه لنا، وهو اعتراف ضمني لضرورتنا في تجربته الحياتية، وكذلك حاجتنا له في حياتنا، إنه تبادل للأدوار.

   إن الاعتراف يقتضي حوارا متبادلا، لكن التواصل الإفتراضي يبدو دائما وكأنه حوار بلا تواصل تغيب فيه اللغة، لتحل محلها الصورة، كذلك المواقع الإفتراضية أو التقنية بشكل عام التي تجردنا من حريتنا في الاختيار، وتفقدنا قناعاتنا وميولاتنا..كل شيء موجه أصبحنا أفرادا من الحشد الرقمي، نرغم على مشاركة منشور أو تدوينة لصديقنا الافتراضي، وإذا شارك صورة نرغم على نقر زر الاعجاب كأضعف الايمان، وإذا أردنا أن نبهج صديقنا الافتراضي فالأمر يستدعي نقر زر جادوغ مرفوقا بتعليق متصنع متكلف.

   ولأنه واقع متغير متبدل على مر الزمن فإننا في حاجة إلى اعتراف مستمر، متجدد لهذا فنحن في حاجة لاعتراف الآخرين بنا، إننا لا نكف عن توسلهم، توسل لايكاتهم وتفاعلاتهم المتصنعة والمتكلفة...رغم علمنا بذلك.

تقول اليزا غودار في الصفحة 118 من كتاب أنا أوسلفي إدن أنا موجود: ”آه أيها السلفي السحري قل لي إنني أجمل النساء، يا آلاف أصدقائي في الفايسبوك طمنوني من خلال آلاف لايكاتكم على وجودي“.

  إن بحثنا عن الاعتراف أفقدنا حريتنا، حرية أن نكون أحرارا في ذواتنا دون أن نبحث عن رضى الآخرين، إن انتقلنا من القول السقراطي تكلم حتى أراك عندما كان الوجود عند سقراط مقرونا بالكلام، أي بالرأي، بمعنى التفكير؛ ليصبح الوجود في عصرنا الحالي رهين بحضورك في الصورة؛ ”أن تكون معناه أن ترى وترى“ أي أن تثير انتباه الآخرين، حتى تكون جديرا بلايكاتهم وتفاعلاتهم، أو بالأحرى بإعترافهم.

   يحيلنا هذا إلى القيمة الرمزية والاجتماعية ل للشوفة le regard فالمقولة الشائعة في مجتمعنا المغربي :"ما شافت ما تشوفت" تحمل مضمونا ثقافيا واجتماعيا مفاده أن الأنثى التي تكون موضوعا لهذه المقولة لم تحض باعتراف الآخر، لم تثبت ذاتها، لم تستطع استمالة الطرف الآخر؛ الشوفة le regard كان مجالها منحصرا في التجمعات كالأسواق و المواسم والأعراس وغيرها من أشكال التي يجتمع فيها الناس رجالا و نساء شبابا وشابات، هذه الأشكال تؤدي وظائف خفيه غير مصرح بها، بحيث تتحول من فضاء للبهجة أو التسوق أو أداء طقوس دينية ... إلى فضاء لنزع الاعتراف وتسليط الأضواء على الذات، بإثارة انتباه الآخرين، فالعازبات راغبات في نزع الاعتراف من العزاب، وهدفهن الأساس هو الزواج، هذا الزواج بحد ذاته وسيلة وغاية للإعتراف، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية.

   لقد اتسع مجال الشوفة  le regard من الفضاء الواقعي المتمثل في التجمعات بشتى أشكلها والمحدودة في الزمان والمكان، إلى فضاء لامحدود زمانا ولا مكانا إنه العالم الافتراضي، الذي يمكننا من عرض ذواتنا على العالم، من خلال الصورة والفيديو التدوينات، فشرط الوجود يستمد من عدد اللايكات التي تحصل عليها منشوراتنا في مواقع التواصل الاجتماعي.

اعلان 1
اعلان 2

1 التعليقات :

عربي باي